السياق التاريخي والفكري لظهور السفسطائية
لم تكن السفسطائية ظاهرة منفصلة، بل كانت نتاجًا لسياق تاريخي وفكري معقد في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد عبر المراحل الآتية:
أفول الفلسفة الطبيعية: وصل الفكر الأيوني (الملطي) الذي اهتم بالكوسمولوجيا وأصل الكون إلى حالة من “العقم” النظري، حيث لم يعد قادرًا على توليد أطروحات جديدة، واكتفى أتباعه بالتقليد والانتقاء.
تلا ذلك مرحلة “تعارض الأطروحات” حيث ساهمت الفلسفة الإيلية (الأنطولوجية) باختلافها الجذري عن الأيونية، في إذكاء حالة من الشك والإحساس باستعصاء المسائل الماورائية على الحسم المعرفي.
وجاء التحول الاجتماعي السياسي ثالثًا مع صعود الديمقراطية في المدن اليونانية، خاصة أثينا، فأصبح النجاح في المجالين السياسي والقضائي مرهونًا بقدرة الفرد على الإقناع والخطابة والجدل. وهذا أوجد حاجة ملحة لنوع جديد من المعرفة والمهارات.
في هذا المناخ، قام السفسطائيون بـ”تنزيل الفلسفة من السماء إلى الأرض”، أي التحول من التفكير في الكون والوجود (الأنطولوجيا) إلى الاهتمام بالإنسان والشأن الإنساني (الأخلاق، والسياسة، والقانون، واللغة)، وقد استجابوا بوعي عملي لاحتياجات عصرهم.
نقد الصورة النمطية: تفكيك التأويل الأفلاطوني
المصدر الرئيسي للصورة السلبية عن السفسطائيين هو كتابات أفلاطون، الذي قدمهم بوصفهم خصومًا لسقراط، وفي هذا الإطار يقوم دفاع بوعزة عن السفسطائيين من خلال تفكيك هذا التأويل، فيقوم بـ:
نفي الوحدة المذهبية: حيث يؤكد الباحث أن السفسطائيين لم يشكلوا مدرسة فكرية موحدة ذات مبادئ ومنهج واحد، بل كانوا “شتاتًا من المفكرين” يجمعهم احتراف التعليم والتفاعل مع الشرط الاجتماعي، لكنهم يختلفون في الرؤى والمواقف الفلسفية. لذا، يفضل الباحث دراستهم كأفراد (مثل: بروتاغوراس، وجورجياس، وبروديقوس… إلخ) وليس كمذهب متناسق.
تضارب الرواية الأفلاطونية حيث يظهر التناقض داخل المتون الأفلاطونية نفسها، فصورة بروتاغوراس في محاورة “ثياتيتوس” (كداعية للشكية) تختلف عن صورته في محاورة “بروتاغوراس” (كمعلم واثق من معرفته)، وهذا التناقض يضعف مصداقية الرواية الأحادية.
إعادة تفسير المقولات الأساسية، حيث يتم تحدي التفسير التقليدي للمقولات السفسطائية الشهيرة، مثل مقولة بروتاغوراس “الإنسان مقياس كل شيء”، حيث يرفض الباحث التأويل الشائع الذي يفهم “الإنسان” على أنه الفرد، مما يؤدي إلى نسبية مطلقة. ويقترح أن التأويل البديل الذي يراه كـ”النوع” ليس مرضيًا تمامًا أيضًا، داعيًا إلى إمكانية تأويلية ثالثة تحاول فهم العبارة في سياقها العملي والإنساني دون إسقاط دلالي لاحق.
وكذلك مثل مقولة جورجياس “لا شيء موجود.”، حيث يرفض هذه المقولة على أنه عدمية، وبدلًا من ذلك، يوضح أن نفي الوجود هنا موجه تحديدًا نحو “الوجود” بمفهومه الإيلي (البرمنيدي) الثابت والواحد. أي أن جورجياس يناقش ويجادل الأنطولوجيا الإيلية، ولا ينفي الوجود المطلق. فهو يمارس نقدًا فلسفيًا وليس إعلانًا للعدمية.
