لا يمكن للإنسان أن يفهم حاضره أو يحدد موقعه في هذا العالم ما لم يكن متصلًا بهويته، واعيًا بجذوره، مدركًا لمعنى انتمائه. فالهويّة ليست مجرد شعار يستحضره الإنسان وقت الملمّات، وإنما منظومة قيم، وعقيدة، ومنهج حياة، تحدد طريقته في فهم الوجود، والانتماء الديني والروحي والحضاري، وتضبط البوصلة الأخلاقية والفكرية للأفراد والأمم.
الهوية وعيٌ حيٌّ يسكن الضمير، ويُشكّل البوصلة التي يهتدي بها الإنسان في زحمة الطرق المتشابهة. والهوية الإسلامية، على وجه الخصوص، لم تكن يومًا عبئًا على التاريخ، ولا عائقًا أمام العمران، بل روحًا ناظمةً لحركة الإنسان، ومعيارًا يزن به الحق من الباطل، والعدل من الهوى.
إن المتأمل في واقع الأمة اليوم يلحظ شرخًا عميقًا في صلتها بذاتها؛ لم يبدأ من ميادين القتال ولا من أسواق الاقتصاد فحسب، وإنما من داخل الوعي، حيث تراجعت الثقة بالانتماء، واستُبدلت المرجعيات، وأصبح الانسلاخ عن الأصل يُقدَّم بوصفه وعيًا، بينما يُصوَّر التمسك بالهوية تخلّفًا وانغلاقًا.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الكلمات لا لتبكي أطلال الماضي، ولا لتجلد الحاضر، بل لتسائل هذا التيه الهادئ، وتبحث في أسبابه، وتذكّر بأن الأمة التي فقدت وعيها بذاتها لا يمكنها أن تصنع مستقبلها، مهما امتلكت من أدوات القوة الظاهرة.


